أحمد بن علي القلقشندي
246
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
في التأويل والحدس فوقع في ذهنه أنه يشير بذلك إلى قوله تعالى : * ( إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ) * ( 1 ) . فأخذ حذره ، واحترز على نفسه ، وبلغ الملك احترازه على نفسه فاتّهم الكاتب في أنه ألحق في الكتاب شيئا نبّهه به على قصد الملك ، فأحضره وسأله عن ذلك ، وأمره بأن يكتب الكتاب على صورة ما كتب به من غير خروج عن شيء منه ، فكتبه ولم يغيّر شيئا من رسمه حتّى إنه أثبت صورة الشدّة على النّون ، فلما قرأه الملك ونظر إلى صورة الشدّة أنكرها عليه ، وقال : ما الَّذي أردت بذلك ؟ قال : أردت قوله تعالى : * ( إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ) * . فأعجب بذلك وعفا عنه لصدقه إيّاه . النوع الثاني ( الرّموز والإشارات الَّتي لا تعلَّق لها بالخطَّ والكتابة ) وهي الَّتي يعبّر عنها أهل المعاني والبيان بالاستعارة بالكناية « بالنون بعد الكاف » وقد يعبّر عنها بالوحي والإشارة . ومن غريب ما وقع في ذلك ما حكاه العسكريّ ( 2 ) في « الصناعتين » : أنّ رجلا من بني العنبر أسر في بني ( 3 ) حنظلة ، وفهم عنهم أنهم يقصدون الغارة على قومه بني العنبر ، فقال لبني حنظلة : إنّ لي حاجة عند أهلي وأريد رسولا من قومكم أرسله فيها ، فأجابوه إلى ذلك بشرط أن يخاطبه في حاجته بحضورهم ، فأحضروا له رجلا في الليل وقد أوقدت العرب نيرانها ، فأقبل على
--> ( 1 ) سورة القصص 28 ، الآية 20 . ( 2 ) هو الحسن بن عبد اللَّه بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري ، نسبته إلى عسكر مكرم ، وهو بلد مشهور من نواحي خوزستان . كان عالما بالأدب ، وله عدة مصنفات ، وكانت وفاته بعد 395 ه . انظر خزانة الأدب ( ج 1 ص 112 ) ، ومعجم البلدان ( ج 4 ص 123 - 124 ) والأعلام ( ج 2 ص 196 ) . ( 3 ) هم بنو حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، ويقال لهم : حنظلة الأكرمون ، وهم أكبر قبيلة في تميم . انظر ج 1 من هذا المطبوع ص 347 .